محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الحكماء عند حكمته وعلم العلماء عند علمه حتى تراهم من العي في ظلمة يموجون ، أن من رجا معونة الله هو القوي ، وإن من توكل عليه هو المكفي ، هو الذي يكسر ويجبر ويجرح ويداوي قال أيوب : لذلك سكت فعضضت على لساني ووضعت لسوء الخدمة رأسي ؛ لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي ، وأن قوته نزعت قوة جسدي ، فأنا عبده ، ما قضى علي أصابني ، ولا قوة لي إلا ما حمل علي ؛ لو كانت عظامي من حديد وجسدي من نحاس وقلبي من حجارة ، لم أطق هذا الأمر ، ولكن هو ابتلائي وهو يحمله عني ؛ أتيتموني غضابا ، رهبتم قبل أن تسترهبوا ، وبكيتم من قبل أن تضربوا ، كيف بي لو قلت لكم : تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني ، أو قربوا عني قربانا لعل الله أن يتقبله مني ويرضى عني ؟ إذا استيقظت تمنيت النوم رجاء أن أستريح ، فإذا نمت كادت تجود نفسي . تقطعت أصابعي ، فإني لأرفع اللقمة من الطعام بيدي جميعا فما تبلغان فمي إلا على الجهد مني ، تساقطت لهواتي ونخر رأسي ، فما بين أذني من سداد ، حتى إن إحداهما لترى من الأخرى ، وإن دماغي ليسيل من فمي . تساقط شعري عني ، فكأنما حرق بالنار وجهي ، وحدقتاي هما متدليتان على خدي ، ورم لساني حتى ملأ فمي ، فما أدخل فيه طعاما إلا غصني ، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي والسفلى ذقني . تقطعت أمعائي في بطني ، فإني لأدخل الطعام فيخرج كما دخل ، ما أحسه ولا ينفعني . ذهبت قوة رجلي ، فكأنهما قربتا ماء ملئتا ، لا أطيق حملهما . أحمل لحافي بيدي ، وأسناني فما أطيق حمله حتى يحمله معي غيري . ذهب المال فصرت أسأل بكفي ، فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة ، فيمنها علي ويعيرني . هلك بني وبناتي ، ولو بقي منهم أحد أعانني على بلائي ونفعني . وليس العذاب بعذاب الدنيا ، إنه يزول عن أهلها ، ويموتون عنه ، ولكن طوبى لمن كانت له راحة في الدار التي لا يموت أهلها ، ولا يتحولون عن منازلهم ، السعيد من سعد هنا لك والشقي من شقي فيها قال بلدد : كيف يقوم لسانك بهذا القول وكيف تفصح به ؟ أتقول إن العدل يجور ، أم تقول إن القوي يضعف ؟ ابك على خطيئتك ، وتضرع إلى ربك عسى أن يرحمك ويتجاوز عن ذنبك ، وعسى إن كنت بريئا أن يجعل هذا لك ذخرا في آخرتك وإن كان قلبك قد قسا فإن قولنا لن ينفعك ، ولن يأخذ فيك ؛ هيهات أن تنبت الآجام في المفاوز ، وهيهات أن ينبت البردي في الفلاة من توكل على الضعيف كيف يرجو أن يمنعه ، ومن جحد الحق كيف يرجو أن يوفي حقه ؟ قال أيوب : إني لأعلم أن هذا هو الحق ، لن يفلج العبد على ربه ولا يطيق أن يخاصمه ، فأي كلام لي معه وإن كان إلي القوة ؟ هو الذي سمك السماء فأقامها وحده ، وهو الذي يكشطها إذا شاء فتنطوي له ، وهو الذي سطح الأرض فدحاها وحده ، ونصب فيها الجبال الراسيات ، ثم هو الذي يزلزلها من أصولها حتى تعود أسافلها أعاليها ؛ وإن كان في الكلام ، فأي كلام لي معه ؟ من خلق العرش العظيم بكلمة واحدة ، فحشاه السماوات والأرض وما فيهما من الخلق ، فوسعه وهو في سعة واسعة ، وهو الذي كلم البحار ففهمت قوله وأمرها فلم تعد أمره ، وهو الذي يفقه الحيتان والطير وكل دابه ، وهو الذي يكلم الموتى